أبي بكر جابر الجزائري
425
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً « 1 » بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ « 2 » حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا اثنا عشر رجلا من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول اللّه إنا قد بنينا مسجدا للعاجز منا والمريض وللّيلة المطيرة فصلّ لنا فيه فقال لهم صلّى اللّه عليه وسلّم أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء اللّه أو كما قال . فلما عاد صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصما أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار واتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً أي لأجل الإضرار بالمسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحي وقوله وَكُفْراً أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالا للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة : ( فرق تسد ) وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن اللّه هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكرا للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما وجدت قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن انهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هدم وحرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجيف والقمائم .
--> ( 1 ) ضِراراً مفعول لأجله أي : لأجل مضارة أهل الإسلام بتفرقة المسلمين وإيجاد عداوات بينهم . ( 2 ) هو أبو عامر الراهب ، وسمي الراهب : لأنه تنصّر وتعبد على دين النصارى ولما انهزمت ثقيف التحق بالروم ومات كافرا . نالته دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .